القرطبي
318
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الأنهر له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر : وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار : فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ( 266 ) قوله تعالى : ( أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ) الآية . حكى الطبري عن السدى أن هذه الآية مثل آخر لنفقة الرياء ، ورجح هو هذا القول . قلت وروى عن ابن عباس أيضا قال : هذا مثل ضربه الله للمرائين بالاعمال يبطلها يوم القيامة أحوج ما كان إليها ، كمثل رجل كانت له جنة وله أطفال لا ينفعونه فكبر وأصاب الجنة إعصار أي ريح عاصف فيه نار فاحترقت ففقدها أحوج ما كان إليها . وحكى عن ابن زيد أنه قرأ قول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " الآية ، قال : ثم ضرب في ذلك مثلا فقال : " أيود أحدكم " الآية . قال ابن عطية : وهذا أبين من الذي رجح الطبري ، وليست هذه الآية بمثل آخر لنفقة الرياء ، هذا هو مقتضى سياق الكلام . وأما بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل عملا وهو يحسب أنه يحسن صنعا فلما جاء إلى وقت الحاجة لم يجد شيئا . قلت : قد روى عن ابن عباس أنها مثل لمن عمل لغير الله من منافق وكافر على ما يأتي ، إلا أن الذي ثبت في البخاري عنه خلاف هذا . خرج البخاري عن عبيد بن عمير قال قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيم ترون هذه الآية نزلت " أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب " ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، فغضب عمر وقال : قولوا : نعلم أو لا تعلم ! فقال ابن عباس : في نفسي منها شئ يا أمير المؤمنين ، قال : يا بن أخي قل ولا تحقر نفسك ، قال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل . قال عمر : أي عمل ؟ قال ابن عباس : لعمل رجل غنى يعمل بطاعة الله ثم الله عز وجل له الشيطان فعمل